كل ساعة أتذكر فيها عيون والدك وصدقها، أتذكر أني فقدت أملاً برؤيتها السنوات الماضية، كم تمنيت وتخيّلت أن يأتي اليوم الذي يجمع الله فيه شمل والدك وأكون حاضراً، تمنيت أن يكون احتفالاً كبيراً أشهده، احتفالاً يليق بصاحب القلب الأبيض النابض بالصدق لدين الله..
تخيلت هذا المشهد، لكن يبدو أن الحياة ستظل ناقصة كما قال أحدهم ..
أخي ، مثلك والله رفيق روح، يعز علي أن يقضي الله بيننا الفراق، لكن العزاء أننا سألتقيك كلما سنحت فرصة لزيارة البلد.. واللقاء الأكبر في جنان الخلد بإذن الله..
إن سنة الحياة الفراق، وما تمنيت شخصاً يكون معي في كل مكان أسافر له سواك.. أدرك أن كل نهر وشجر في مدينتي سيذكرني بك.. وأنه ستمر أيام مريرة حينما استحضر مشهد حياتنا الذي اشتركنا فيه كثيراً.. والذي كنت فيه نعم الرفيق.. ونعم الصاحب، وجدتك تهون علي الهم في كل شكوى لك، وجدتك تقف معي في كل عقبة في حياتي ، كنت شاهداً على كل مشاهد حياتي ولا أدري هل يمضي بي العمر لأرد لك وفاءك؟
أدرك أنك لا تحسن التعبير لكنك من أصدق من عرفت ومن أقرب الناس لقلبي، وأنت أكثر الناس معرفة أن منزلتك في قلبي لا تتغير، فلست ممن اذا طال بهم الأمد قسى قلبه..
أتمنى أن تبقى العهد، وأن تظل مخلصاً لما تؤمن به، صامتاً لا متفاخراً كما عهدتك.. وأن تتذكر سنة الله في الأرض في التحول والتبدل، وأن روح المؤمن ترتقي ولا تدنو، ترتفع ولا تنخفض.. وأن الله أعطانا الأمن والأمان في الدنيا، شرط أن نتولاه.. وأن الخوف والخذلان لمن يحيد عن شرعه. وخير ما أوصيك أن تظل عادلاً في حكمك على الآخرين، محسناً الظن بمن حولك، متحرراً في ما تؤمن به، موحداً بالله لا شريك له، مستحضراً في كل شؤونك أن حياتك ومماتك وصلاتك لله رب العالمين..
وأبشرك دائماً أن الظلام يعقبه النور، وأن الظلم يتبعه العدل، وأن العصيان يتبعه الإيمان.. وأن الحزن يتبعه الفرح.
أوصيك بأن تكون قوياً، وأن تكون الآمك الجسدية دافعاً لك في العطاء لمن حولك، وأن تستحضر أن لك أماً تنبض بالحب لك، وأن لك أباً لا يعادل وزنه ذهباً وإخوة طيبون، ورفقاء درب يحبونك كأنفسهم أو أكثر
لست من يوصيك في تحمل الألم، ولكني أذكرك أن روح المؤمن مطمئنة وسعيدة، ما دام الرضا يحيط بها وما دامت القناعة بقضاء الله وقدره حاضرة في الروح..
أحبك في الله يا أخي، وكفى بها كلمة تكون شاهداَ علينا إلى يوم الدين.. بلغ كل الأحبة والأصحاب سلامي. وبلغهم أن الشوق لرؤية الوجوه الطيبة ينبض في روح المرء، وأن طيفهم معه ولو كان في أقصى الأرض.
استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه،..
.. قبل إقلاع الطائرة بـ 24

